قام وزير الخارجية الأمريكي بزيارته الأولى لعمان والتي تعتبر محطته الأولى في جولته الشرق أوسطية التي تشمل الأردن ورام الله والقدس المحتلة، وقد حظيت زيارة كيري باهتمام إعلامي واسع بسبب الملف السوري الذي يسعى وزير الخارجية الأمريكي لمناقشته قبيل تنظيم مؤتمر دولي يضم مختلف الأطراف لوضع حل لهذه القضية.
وأهمية زيارة كيري لعمان لا تخرج عن إطار الملف الرئيس الذي يحمله وهو القضية السورية، وأما ما تناقلته وكالات الأنباء من أخبار حول صفقة سلاح مزمع عقدها مع سلطنة عمان فهي قد تكون من بين الأجندة الموضوعة للزياره ولكنها ليست السبب الرئيس وحده للزيارة، ولفهم سر هذه الزيارة وأهمية سلطنة عمان في هذا السياق، علينا أن ننظر للسياق المحيط بالمنطقة بشكل عام، ففي الوقت الذي تقتتل فيه مختلف الأطراف في سوريا، وتتبنى كثير من دول العالم مواقف (المع والضد) تصر السلطنة على مواصلة نهجها في الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتنازعة وجنوحها الدائم للسلم وإعلاء صوت الصالح العام للشعب السوري واحترام خياراته، وذلك عبر مختلف التصريحات الرسمية للمسؤولين العمانيين.
وهذا النهج الذي تتبعه سلطنة عمان نابع من سياستها المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم تقبل التدخل في شؤونها الداخلية أيضا، ولذا عرف عن السلطنة مواقفها السياسية الواضحة سواء في حالات قبولها أم رفضها وابتعدت عن الدجل السياسي و"التحربن" في المواقف كما هو الحال لدى بعض الدول، وقد أسهم هذا النهج السياسي العماني في إكساب عمان ثقة العالم فأصبحت الدول تثق في السلطنة وصدق مواقفها حتى عندما تختلف معها فلا أحاديث عن مواقف مزدوجة أو تمريرات من تحت الطاولات. وبعيدا عن الأحداث البعيدة، تدل مواقف السلطنة الحديثة على هذا النهج الواضح والصريح في السياسة العمانية، إذ لم يتردد العمانيون في التعبير عن عدم رغبتهم في الدخول في فكرة مشروع الاتحاد الخليجي التي طرحت مؤخرا وعبروا عن رأيهم تحت قبب قاعات الإجتماعات وفي الصحافة على حد سواء، ورغم الانتقادات التي وجهت لهذا الموقف إلا أن السلطنة لم تحاول المراوغة والتسويف من أجل كسب ود الصحافة والسياسين على حساب ما تؤمن به بل أصرت على رأيها النابع من قراءتها الواقعية لواقع ومستقبل الانتقال لهذه الخطوة في ظل الظروف الحالية، كما أنها حافظت على علاقاتها القوية مع إيران في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها الأخوية القوية أيضا مع الدول الخليجية التي اتخذت مواقف حادة تجاه الجمهورية الإسلامية.
وعلى الرغم من موقف الكثير من دول العالم تجاه إيران وتضييق الخناق الاقتصادي عليها والذي تقود دفته الولايات المتحدة الأمريكية وتساندها فيه الكثير من الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، إلا أن البراجماتية العمانية المبنية على تحديد مصالحها بشكل خاص وصالح المنطقة بشكل عام، احتفظت سلطنة عمان بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران ولم ترضخ للضغوط العالمية بل فرضت على العالم احترام هذا الموقف ووجهة النظر العمانية مما جعلها لاعبا رئيسا فيما يتعلق بالقضية الإيرانية ووسيطا موثوقا في التعامل معها، والعكس أيضا إذ لم تؤتر علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على علاقاتها مع إيران وثقة الجانب الإيراني في صدقها ومتانتها، فالحكومة العمانية تدرك أهمية المحافظة على سلامة المنطقة من أي حروب إضافية قد تدخل المنطقة بإسرها دون إستثناء في اضطرابات وعمليات دموية لن تنتهي سريعا ولن يتقصر تأثيرها على طرف دون آخر، فالناظر إلى خريطة المنطقة يدرك دائر الإضطراب المحيطة بها في العراق وافغانستان والصومال وحتى اليمن فهي لا تزال تصارع من أجل بناء الاستقرار الذي يواجه الكثير من التحديات الاقتصادية والسياسية.
وعلى الرغم من العلاقة القوية التي كانت تربط الحكومة العمانية بالنظام المصري السابق، إلا أنها وقفت على مسافة واحدة من جميع الأطراف أيام الثورة المصرية ورأت بأن المصريين هم الأجدر والأحق بتقرير مصيرهم وحسم مواقفهم، بل إنها قامت قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية بعد الثورة بزيارة لمصر اجتمعت خلالها مع المشير طنطاوي أثناء إدارة المجلس العسكري لشؤون البلاد واجتمعت في الوقت نفسه مع المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين، وأشار حينها الوزير العماني المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي إلى "أن ما حدث هو جزء من قدر الخير الذي أراده الله لمصر، وطالب بضرورة مواجهة التحديات التي تواجهها مصر بمزيد من الوحدة والاتحاد."
وكذا الحال مع الثورة الليبية، فقد اتخذت السلطنة موقفا محايدا مما حدث ورأت بأن الشعب الليبي جدير بحسم خياراته على الرغم من العلاقة الاقتصادية الحديثة التي بدأت في تأسيسها مع حكومة القذافي قبل الثورة، إذ لم تدفعها مقاصدها الاقتصادية في ذلك الوقت في تبني موقف داعم للنظام الليبي أو العكس، وقد افرز هذا الموقف العماني المتوازن في زيارة برئاسة يوسف المقريف رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي مؤخرا لتعميق العلاقات العمانية الليبية.
وبناء على ما تقدم فقد أكسبت جملة هذه المواقف الحديثة والتاريخية منها للسلطنة، وكون مهندسها الأول صاحب الجلالة السلطان قابوس، حفظه الله ورعاه، هو أقدم الحكام العرب، إيمان العالم بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه في مختلف قضايا المنطقة ولعبها دور الوسيط في حل القضايا الشائكة والتي لا تزال السلطنة تؤمن بإن تقدير الدول المعنية لهذا الدور الذي تقوم به هو أهم من البهرجة والضجيج الإعلامي المصاحب لها ولذا دائما مع تعمد إلى الإبتعاد عنه وتجنبه وتأويلاته التي قد تضر أحيانا بتحقيق الهدف المراد على أكمل وجه.
فإن زيارة كيري للسلطنة تأتي لبحث آراء السلطنة في إيجاد حل للقضية السورية التي تعتزم الولايات المتحدة وروسيا إقامة مؤتمر لها لإنتقال السلطة في سوريا وترغب في إشراك جميع الأطراف فيه، وبالنظر إلى النظام السوري والدول الحليفة له نجد أن روسيا وإيران والصين تأتي في الواجهة إلا أن بعض الدول مثل فرنسا عبرت عن رفضا لدخول إيران كطرف في المؤتمر. كما تتداول أخبار عن تشكيل بشار الأسد لوفد برئاسة رئيس الوزراء لتمثيل النظام السوري في المؤتمر، إلا أن أطيافا مختلفة من المعارضة السورية ترفض القبول بالنظام السوري طرفا في تقرير مصير عملية إنتقال السلطة، ولذا يبدو أن السلطنة قد تكون طرفا مقبولا من الجميع للقيام بدور وسيط في هذا المؤتمر مع النظام السوري الذي لم تتخذ السلطنة مثل الكثير موقفا معاديا له وفي الوقت نفسه احترمت رغبة السوريين في تقرير مصيرهم، ونظرا لما تتمتع به من مصداقية وثقة بين جميع الأطراف ولتفردها عن بقية الدول في المنطقة في هذا الموقف، فإنها تمتلك الإمكانيات والقدرة على لعب دور الوساطة لوضع حد للنزاع السوري وإيقاف معاناة السوريين.
وخلاصة القول بإن نهج السلطنة المتوازن تمكن من خلق هذه القوة التي تتمتع بها الآن والتي ينظر لها العالم بعين الإحترام والتقدير ويدرك أهميتها في حل نزاع مثل النزاع السوري الذي لم تتمكن القوى العالمية من الوصول لإتفاق بشأنه فلا روسيا تقبل بخسارة موطئ قدمها الأوحد في الشرق الأوسط ولا أمريكا تقبل ببقاء الأسد كما أن تركيا التي سارعت لوضع حل لصراعها مع الأكراد لن تقبل بوضع فوضوي في سوريا، ولذا فالطريق مسدودة إلا من تنازل طرف لآخر أو التوصل لحل وسط قد يرضي الجميع ويكون الشعب السوري طرفا فيه وهو ما قد يكفله دخول الدور العماني في الحوار الذي دائما ما تؤمن الحكومة العمانية بأهميته في حل القضايا.
يونس الحرّاصي
Twitter Account: @yharrasi