الإتفاق المؤقت مع إيران
انتشرت أخبار الاتفاق المؤقت الناتج عن اجتماعات جنيف بين إيران ومجموعة الدول (٥+١) مثل النار في الهشيم منتجة حالة من التخبط في أوساط المتابعين العرب عموما والخليجين على وجه الخصوص، ومعظم ما أطلعت عليه من آراء يصب في خانة "كيف نرد الآن، وكيف نتعامل مع الوضع، وعن الخيانات الأمريكية والغربية للحلفاء العرب"، وسط غياب كبير للتحليلات السياسية للأسباب والآثار المتوقعة لإتمام الاتفاق النهائي.
غياب مجلس التعاون وظهور الأصوات الفردية
وأما ردود الأفعال على مستوى الدول فمن تحدث منها كان مرحبا "بالطبع" بالاتفاق مع إضافة "صدق النوايا" من قبل المملكة العربية السعودية. وما يلفت الانتباه في ردود فعل دول الخليج أنها صدرت بشكل فردي على أوقات مختلفة ولم يصدر بيان من مجلس التعاون في هذا الخصوص مثل ما حدث في بعض قضايا المنطقة، مما يضع علامات استفهام حول سبب صدور بياناتها بهذا الشكل الفردي عوضا عن منصة المجلس الذي يجمعهم ويعكس "وحدتهم" و"قوتهم". فمن الدلالات التي قد تأخذ من طريقة ردود أفعال دول مجلس التعاون هي أن هذه الدول لم تتفق فيما بينها حول موقف موحد وصيغة موحدة للتعامل مع هذا الخبر الذي يعني منطقة الخليج بشكل مباشر والشرق الأوسط بشكل عام، خاصة وأن بعض الساسة كثيرا ما استخدموا إيران، ولا يزالون، بعبعا يحاولون من خلاله تمرير مقترحاتهم وتحركاتهم ومشاريعهم.
إنه الوقت المثالي لتفعيل دور مجلس التعاون في هذه المرحلة من الاتفاق المؤقت، الذي يمتد لستة أشهر، إذ يمكن لمجلس التعاون أن يدخل طرفا في المفاوضات دافعا للإتفاق لا الخلاف، طارحا قضاياه وهمومه أيضا لتأخذ دوله موقعها من الاتفاق وليؤطر العلاقة التي ستربطه بإيران الجديدة بعد الإتفاق، فمن الأفضل أن يلعب المجلس اليوم دور المفاوض الذي يفرض شروطه لا الذي يملى عليه ما يجب أن يقوم به والطريقة التي يجب أن يتعامل بها مع الجار الذي سيستعيد قوته من جديد.
السيناريو الآخر سيكون أن تتحرك كل دولة بمفردها لبلورة علاقتها الجديدة مع إيران بعيدا عن الدول الأخرى، مما سيخلف حالة من الشتات والتباين في المواقف بين هذه الدول وقد يفضى إلى خلق نزاعات جديدة، تضاف إلى قائمة النزاعات القائمة، بين دول المجلس نفسها مما يعني قراءة الفاتحة على روح مجلس التعاون، خصوصا مع دخول قيادات جديدة في صناعة القرارات في هذه الدول سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة والتي قد يكون لها أهداف وطموحات لا تنسجم أو لا تتوافق مع أهداف وطموحات الرعيل الأول الذى أسس هذا المجلس.
سلطنة عمان
تبدو سلطنة عمان هي الدولة الوحيدة بين شقيقاتها الخليجية الثابتة في مواقفها من مختلف القضايا الدولية والواضحة سياساتها وتعاملاتها مع إيران والدول الأخرى، فلطالما سعت مؤخرا علنا إلى تقوية علاقاتها مع إيران في مختلف المجالات، محاولة بذلك المحافظة على المساحة المهمة معها للتعاملات المتنوعة خلافا للقطيعة الخليجية والدولية ومخففة بذلك حدة التوتر في المنطقة، وكذلك مؤكدة على حضور الجار الأمين الذي يمكنه أن يساهم في إخراج إيران من عزلتها والمنطقة من بوادر أزمة جديدة ضجيج طبولها يصم الآذان، وذلك بالطبع بفضل رؤية حكيمة وبعيدة الأمد لمهندس السياسة العمانية السلطان قابوس بن سعيد، الذي تمكن من إثبات دور السلطنة كشريك مؤتمن يمكن الإعتماد عليه يغلب مصلحة بلاده ومنطقته ويضعها فوق المصالح الفردية والفئوية الضيقة.
وفي ظل الوضع الراهن لا تزال سلطنة عمان قادرة على لعب دور كبير في بلورة علاقة دول الخليج بإيران وتحديد ماهية الدور الذي ينبغي أن تلعبه تحقيقا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وللدفع بهذه الإتفاقية المؤقتة نحو التثبيت وتحويلها لمعاهدة واتفاقية دائمة تضمن للمنطقة استقرارها وأمنها وتوفر لشعوب المنطقة مناخا أفضل وأرحب وأكثر سلمية للعيش.
ومما لا شك فيه أن سلطنة عمان تدرك تماما أن التقارب الذي بينها وبين إيران لم يكن محل إعجاب لدى بعض شقيقاتها الخليجية بل ربما كان سببا لعرقلة بعض الأمور، بل إنه ربما كان سببا للتعبئة الطائفية من قبل بعض المتحدثين باسم السياسة والإعلام ضد عمان وأهلها، وهؤلاء سرعان ما تبدلت جلودهم بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وذلك بسبب الأهواء والتعصب الذي يقودهم لا العدل والحق، كما تجاهل بعضهم أيضا في أحاديثهم الحالية عن الاتفاق الأمريكي الإيراني، الدور العماني في الاتفاق المؤقت وكيف يمكن استغلاله في تحركاتهم القادمة وكيف لسلطنة عمان أن تلعب دورا في التقريب بين وجهات النظر ورتق العلاقة بين بعض الدول الخليجية مع إيران، بل أنهم تحدثوا عما يجب أن تصنعه دول الخليج" بصيغة الجمع" تجاه هذا "الحدث" متجاهلين أن من بين دول الخليج دولة كانت طرفا رئيسا في المفاوضات والإتفاق ولا ينطبق عليها ما يتحدثون عنه، فإما أن يقع تجاهلهم هذا في خانة "سقط سهوا" أو أن يكون الاستياء من موقف عمان لا يزال يطغى على المشاعر والعواطف!
وبغض النظر عن ذلك، سيسهم هذا الإتفاق بين إيران وأمريكا والدور الذي لعبته السلطنة فيه بلا شك في المحافظة على أمن المنطقة واستقرارها بشكل عام، وإعطاء السلطنة بشكل خاص مكاسب سياسية واقتصادية جمة قد تتضح ملامحها قريبا خاصة وأن سلطنة عمان قد وقعت اتفاقيات اقتصادية عديدة مع إيران وبالتالي سينعكس ذلك إيجابا على الإقتصاد العماني وكذلك على حضور السلطنة في المشهد السياسي بالمنطقة.
التحديات أمام الاتفاق النهائي
لاشك أن الاتفاق المؤقت هو فقط فاتحة لاجتماعات كثيرة بين إيران ومختلف الأطراف الأخرى ولكنه يفتح الأبواب للقاءات مباشرة تمنح مساحة أكبر لإدخال أطراف رئيسة فيه وهو ما لم يكن ممكنا في وقت الاجتماعات السرية. ومن المتوقع أن تصعب إسرائيل وحلفائها في الكونجرس الأمريكي مهمة باراك أوباما إلا أن رغبة الأخير في تحقيق أهدافه وتسجيل إنجاز يكتب له قبل انتهاء فترته، سيجعله ندا وخصما عنيدا لإسرائيل التي طالما تحكمت في العديد من مجريات الأمور في الولايات المتحدة، وهي ربما تخشى أن تنعكس آثار هذا الاتفاق عليها وعلى ترسانتها النووية، سلبا على الرغم من السكوت الدولي عنها أصلا، إذ أن حل الأزمة الإيرانية وبناء تحالف قوي، وهو ليس أمر سهل بالطبع، ضد إسرائيل قد يضيق الخناق عليها على الأقل وإن لم يتمكن من تحقيق نتائج سريعة. وإلى جانب إسرائيل قد تقف الأطراف العربية المنزعجة من الاتفاق أيضا كحجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاق نهائي من خلال خلق أزمات أو ممارسة ضغوطات على بعض الأطراف الداخلة في المفاوضات إلا أن دورها هذا لا أعتقد أنه سيكون فاعلا أو مؤثرا بدرجة كبيرة، كما لو أن تحركها هذا قد حدث فهو رأي غير حصيف، إذ أنه لن يجلب إلا المزيد من الأزمات وعدم الاستقرار لهذه المنطقة.
فرص
يبقى أن أشير إلى أن هناك فرص عديدة يمكن اغتناهما من هذا الاتفاق إذا ما تحركت الدول الخليجية بشكل إيجابي وفاعل تجاهه فقد تكون هذه الاتفاقية والتوصل إلى وضع نهائي لها فاتحة لتخفيف الإحتقان الطائفي في المنطقة، وعدم الاستقرار في بعض أطرافها، وللتوصل لتفاهمات تحفظ أنفسا بشرية تزهق كل يوم في الصراعات الطائفية، وتوفر أموالا وطنية أحق بها الشعوب تصرف لإذكاء هذه الصراعات ومقاومتها.
يونس الحرّاصي
@yharrasi