الاثنين، 25 نوفمبر 2013

إيران وأمريكا ومجلس التعاون وسلطنة عمان!





الإتفاق المؤقت مع إيران

انتشرت أخبار الاتفاق المؤقت الناتج عن اجتماعات جنيف بين إيران ومجموعة الدول (٥+١) مثل النار في الهشيم منتجة حالة من التخبط في أوساط المتابعين العرب عموما والخليجين على وجه الخصوص، ومعظم ما أطلعت عليه من آراء يصب في خانة "كيف نرد الآن، وكيف نتعامل مع الوضع، وعن الخيانات الأمريكية والغربية للحلفاء العرب"، وسط غياب كبير للتحليلات السياسية للأسباب والآثار المتوقعة لإتمام الاتفاق النهائي.

غياب مجلس التعاون وظهور الأصوات الفردية

وأما ردود الأفعال على مستوى الدول فمن تحدث منها كان مرحبا "بالطبع" بالاتفاق مع إضافة "صدق النوايا" من قبل المملكة العربية السعودية. وما يلفت الانتباه في ردود فعل دول الخليج أنها صدرت بشكل فردي على أوقات مختلفة ولم يصدر بيان من مجلس التعاون في هذا الخصوص مثل ما حدث في بعض قضايا المنطقة، مما يضع علامات استفهام حول سبب صدور بياناتها بهذا الشكل الفردي عوضا عن منصة المجلس الذي يجمعهم ويعكس "وحدتهم" و"قوتهم". فمن الدلالات التي قد تأخذ من طريقة ردود أفعال دول مجلس التعاون هي أن هذه الدول لم تتفق فيما بينها حول موقف موحد وصيغة موحدة للتعامل مع هذا الخبر الذي يعني منطقة الخليج بشكل مباشر والشرق الأوسط بشكل عام، خاصة وأن بعض الساسة كثيرا ما استخدموا إيران، ولا يزالون، بعبعا يحاولون من خلاله تمرير مقترحاتهم وتحركاتهم ومشاريعهم. 

إنه الوقت المثالي لتفعيل دور مجلس التعاون في هذه المرحلة من الاتفاق المؤقت، الذي يمتد لستة أشهر، إذ يمكن لمجلس التعاون أن يدخل طرفا في المفاوضات دافعا للإتفاق لا الخلاف، طارحا قضاياه وهمومه أيضا لتأخذ دوله موقعها من الاتفاق وليؤطر العلاقة التي ستربطه بإيران الجديدة بعد الإتفاق، فمن الأفضل أن يلعب المجلس اليوم دور المفاوض الذي يفرض شروطه لا الذي يملى عليه ما يجب أن يقوم به والطريقة التي يجب أن يتعامل بها مع الجار الذي سيستعيد قوته من جديد. 

السيناريو الآخر سيكون أن تتحرك كل دولة بمفردها لبلورة علاقتها الجديدة مع إيران بعيدا عن الدول الأخرى، مما سيخلف حالة من الشتات والتباين في المواقف بين هذه الدول وقد يفضى إلى خلق نزاعات جديدة، تضاف إلى قائمة النزاعات القائمة، بين دول المجلس نفسها مما يعني قراءة الفاتحة على روح مجلس التعاون، خصوصا مع دخول قيادات جديدة في صناعة القرارات في هذه الدول سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة والتي قد يكون لها أهداف وطموحات لا تنسجم أو لا تتوافق مع أهداف وطموحات الرعيل الأول الذى أسس هذا المجلس. 


سلطنة عمان

تبدو سلطنة عمان هي الدولة الوحيدة بين شقيقاتها الخليجية الثابتة في مواقفها من مختلف القضايا الدولية والواضحة سياساتها وتعاملاتها مع إيران والدول الأخرى، فلطالما سعت مؤخرا علنا إلى تقوية علاقاتها مع إيران في مختلف المجالات، محاولة بذلك المحافظة على المساحة المهمة معها للتعاملات المتنوعة خلافا للقطيعة الخليجية والدولية ومخففة بذلك حدة التوتر في المنطقة، وكذلك مؤكدة على حضور الجار الأمين الذي يمكنه أن يساهم في إخراج إيران من عزلتها والمنطقة من بوادر أزمة جديدة ضجيج طبولها يصم الآذان، وذلك بالطبع بفضل رؤية حكيمة وبعيدة الأمد لمهندس السياسة العمانية السلطان قابوس بن سعيد، الذي تمكن من إثبات دور السلطنة كشريك مؤتمن يمكن الإعتماد عليه يغلب مصلحة بلاده ومنطقته ويضعها فوق المصالح الفردية والفئوية الضيقة. 

وفي ظل الوضع الراهن لا تزال سلطنة عمان قادرة على لعب دور كبير في بلورة علاقة دول الخليج بإيران وتحديد ماهية الدور الذي ينبغي أن تلعبه تحقيقا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وللدفع بهذه الإتفاقية المؤقتة نحو التثبيت وتحويلها لمعاهدة واتفاقية دائمة تضمن للمنطقة استقرارها وأمنها وتوفر لشعوب المنطقة مناخا أفضل وأرحب وأكثر سلمية للعيش. 

ومما لا شك فيه أن سلطنة عمان تدرك تماما أن التقارب الذي بينها وبين إيران لم يكن محل إعجاب لدى بعض شقيقاتها الخليجية بل ربما كان سببا لعرقلة بعض الأمور، بل إنه ربما كان سببا للتعبئة الطائفية من قبل بعض المتحدثين باسم السياسة والإعلام ضد عمان وأهلها، وهؤلاء سرعان ما تبدلت جلودهم بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وذلك بسبب الأهواء والتعصب الذي يقودهم لا العدل والحق، كما تجاهل بعضهم أيضا في أحاديثهم الحالية عن الاتفاق الأمريكي الإيراني، الدور العماني في الاتفاق المؤقت وكيف يمكن استغلاله في تحركاتهم القادمة وكيف لسلطنة عمان أن تلعب دورا في التقريب بين وجهات النظر ورتق العلاقة بين بعض الدول الخليجية مع إيران، بل أنهم تحدثوا عما يجب أن تصنعه دول الخليج" بصيغة الجمع" تجاه هذا "الحدث" متجاهلين أن من بين دول الخليج دولة كانت طرفا رئيسا في المفاوضات والإتفاق ولا ينطبق عليها ما يتحدثون عنه، فإما أن يقع تجاهلهم هذا في خانة "سقط سهوا" أو أن يكون الاستياء من موقف عمان لا يزال يطغى على المشاعر والعواطف! 

وبغض النظر عن ذلك، سيسهم هذا الإتفاق بين إيران وأمريكا والدور الذي لعبته السلطنة فيه بلا شك في المحافظة على أمن المنطقة واستقرارها بشكل عام، وإعطاء السلطنة بشكل خاص مكاسب سياسية واقتصادية جمة قد تتضح ملامحها قريبا خاصة وأن سلطنة عمان قد وقعت اتفاقيات اقتصادية عديدة مع إيران وبالتالي سينعكس ذلك إيجابا على الإقتصاد العماني وكذلك على حضور السلطنة في المشهد السياسي بالمنطقة.

التحديات أمام الاتفاق النهائي

لاشك أن الاتفاق المؤقت هو فقط فاتحة لاجتماعات كثيرة بين إيران ومختلف الأطراف الأخرى ولكنه يفتح الأبواب للقاءات مباشرة تمنح مساحة أكبر لإدخال أطراف رئيسة فيه وهو ما لم يكن ممكنا في وقت الاجتماعات السرية. ومن المتوقع أن تصعب إسرائيل وحلفائها في الكونجرس الأمريكي مهمة باراك أوباما إلا أن رغبة الأخير في تحقيق أهدافه وتسجيل إنجاز يكتب له قبل انتهاء فترته، سيجعله ندا وخصما عنيدا لإسرائيل التي طالما تحكمت في العديد من مجريات الأمور في الولايات المتحدة، وهي ربما تخشى أن تنعكس آثار هذا الاتفاق عليها وعلى ترسانتها النووية، سلبا على الرغم من السكوت الدولي عنها أصلا، إذ أن حل الأزمة الإيرانية وبناء تحالف قوي، وهو ليس أمر سهل بالطبع، ضد إسرائيل قد يضيق الخناق عليها على الأقل وإن لم يتمكن من تحقيق نتائج سريعة. وإلى جانب إسرائيل قد تقف الأطراف العربية المنزعجة من الاتفاق أيضا كحجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاق نهائي من خلال خلق أزمات أو ممارسة ضغوطات على بعض الأطراف الداخلة في المفاوضات إلا أن دورها هذا لا أعتقد أنه سيكون فاعلا أو مؤثرا بدرجة كبيرة، كما  لو أن تحركها هذا قد حدث فهو رأي غير حصيف، إذ أنه لن يجلب إلا المزيد من الأزمات وعدم الاستقرار لهذه المنطقة.

فرص

يبقى أن أشير إلى أن هناك فرص عديدة يمكن اغتناهما من هذا الاتفاق إذا ما تحركت الدول الخليجية بشكل إيجابي وفاعل تجاهه فقد تكون هذه الاتفاقية والتوصل إلى وضع نهائي لها فاتحة لتخفيف الإحتقان الطائفي في المنطقة، وعدم الاستقرار في بعض أطرافها، وللتوصل لتفاهمات تحفظ أنفسا بشرية تزهق كل يوم في الصراعات الطائفية، وتوفر أموالا وطنية أحق بها الشعوب تصرف لإذكاء هذه الصراعات ومقاومتها.





يونس الحرّاصي
@yharrasi

الأربعاء، 16 أكتوبر 2013

حالات السخط وعدم الرضا العامة وتأثيراتها الجسيمة




تسعى العديد من المؤسسات التي تدرك أهمية رفع الروح المعنوية لأفرادها إلى تخصيص مساحة كبيرة من تخطيطها الإستراتيجي لوضع حلول وبرامج معنية بمعالجة هذا الأمر، كما أنها لا تغفل عن معالجة جميع ما من شأنه أن يؤثر على الروح الإيجابية العامة لأفرادها من حيث أداء أجهزتها الإدارية وتفاعلها وتواصلها معهم، ولذا تجد أن إنتاجية هذه المؤسسات عالية وتماسك فرق عملها متين، وفي المقابل تجد أن المؤسسات التي تهمل هذا الجانب تعيش معاناة دائمة مع أفرادها بسبب الجو السلبي السائد فيها، وسبب وجود هذا الجو قد لا يقتصر بالضرورة على الجانب المالي، ولكن قد يعود لطريقة أداء الأجهزة الإدارية واتصالها مع أفرادها كما ذكرنا سابقا، أو النظم والقوانين المنظمة للعمل، ولذا يعيش أفراد هذه المؤسسات حالة من عدم الرضا والسخط، ودائما ما يكونون عرضة للإنجذاب لأية رسائل سلبية تصلهم من المحيط الخارجي، ويعيشون حالة من عدم الإستقرار والطمأنينة، بالإضافة إلى كثرة إجراء المقارنات المجحفة، ومن جديد أقول أن أسباب هذه الروح المحبطة والسلبية متنوعة فقد تكون مرتبطة بقصور مؤسساتي مثل الأمثلة التي أوردناها، ولكنها أحيانا قد تعود للأفراد أنفسهم، لكن في نهاية المطاف المؤسسة هي من بيده النصيب الأكبر من القدرة على تغيير هذا الوضع في كلتا الحالتين، وقد يكون الحل أحيانا بسيط جدا لا يتعدى استراتيجية اتصال فاعلة لمعالجته وتخطي صعوباته!

وما يجري في المؤسسات  ينطبق أيضا على نطاق أوسع على الشعوب والدول التي تحتضنها، فعندما تظهر بوادر انتشار هذا النوع من الإمتعاض والسخط بين أبناء أي دولة، خاصة إذا كان كبيرا ومتعدد الأشكال والأسباب، عندها لا يجب على الحكومات النظر لهذا الأمر على أنه تمرد وبالتالي بناء نكران داخلي، وإن كان بشكل غير مباشر في بعض الأحيان، بعدم وجود قصور من جانب هذه الحكومات، وبالتالي صياغة جميع الحلول بطريقة بعيدة تماما عن الواقع قد تسهم عوامل تنظيم الحكومات والقوة التي تتمتع بها في إيجاد ما تعتقد أنه حلول، لكنها في الحقيقة سرعان ما تنحسر وتبطل فاعليتها بسبب عدم متانة تلك الحلول وعمقها وبالتالي محدودية فاعليتها زمنا ومساحة، وكما هو الحال بالنسبة للمؤسسات، قد لا يكون الحل الوحيد هو في الجانب المالي وإن كان جزء من أسباب عدم الرضا أحيانا، ولكن قد يكمن السر في معالجة أجهزة تلك الحكومات التي تشهد ضعفا في الأداء الإداري والترهل الذي يكون سببا رئيسا لظهور حالات الإمتعاض والسخط، بالإضافة إلى عامل مهم ومهمل بشكل كبير أو مفعل بطرق بدائية بالية وهو الإتصال والتفاعل مع الأفراد!

ووجود مثل هذه الحالات من الضعف من الحكومات ومؤسساتها في التعاطي مع حالات السخط وعدم الرضا العامة، تجعل من الأفراد عرضة للإنجاذاب للكثير من الرسائل الخارجية التي قد لا يدركون تأثيرها المباشر عليهم وعلى دولهم ويسعون لترويجها ونشرها بينهم في صيغ متعددة قد تكون غير واقعية أحيانا إلا أنها في ظل قصور التفاعل الإستراتيجي والمبتكر من حكوماتهم، يجد الأفراد في هذه المقارنات متنفسا وسببا لتبرير الحالة التي يعيشونها، ولذا تنتشر بينهم المغالطات والتعميمات التي تزيد الأمر سواء وتفتح الباب أمام الأطراف التي تمتلك مطامع معينة لاستغلال واستثمارها بشتى الطرق.

واستمرار الحكومات في تجاهل هذا الوضع والمكابرة في سرعة وطريقة معالجة الوضع، قد يكون له تأثير خطير على المدى البعيد، إن لم يكن القصير، في خلق تفكك مجتمعي وضعف في ارتباط الأفراد بدولهم ورضاهم عنها، ولكم أن تعددوا ما يمكن أن ينجم عن وجود مثل هذا الوضع بين أي أفراد وحكوماتهم، ولذا أجد أنه من الضروري الإلتفات لهذا الجانب وتداركه قبل البكاء على أي لبن مسكوب بشكل جماعي أو فردي، وإن تسعى الحكومات لإيجاد حلول بعيدة المدى وأن تنظر داخلها لإيجاد أسباب ظهور مثل هذه الحالات قبل محاولة إلقاء اللوم على الأفراد لأن ذلك لن يجدي نفعا بل سيعمق المشكلة ويوسع دائرة إنتشارها، ويجب على الحكومات أن لا تنظر لمثل هذه الحالات على أنها محاولات لي أذرعة بالتالي اعتبار استجاباتها رضوخ وضعف، بل يجب أن تضع الأمور في نصابها الصحيح وأن تنظر لتفاعلها مع مثل هذا القضايا حياة وحيوية ومرونة وسعي لإيجاد أنجع السبل لخدمة الدول وشعوبها.


يونس الحراصي
@yharrasi

الاثنين، 17 يونيو 2013

كم تبقى على رحيل الأسد، وماذا بعده؟

كم تبقى على رحيل الأسد، وماذا بعده؟


في الوقت الذي لا يزال يعيش العالم فيه الأحداث الدموية والمأساوية التي يعيشها الشعب السوري، لا تزال الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تعيش حالة من الشد والجذب فيما تقوم به للإطاحة بالأسد ونظامه وذلك ربما يعود لسببين رئسيين وهما عدم اتفاق المعارضة السورية نفسها وبالتالي عدم وجود الشريك الذي يقود مرحلة ما بعد الأسد بما يتفق ومعايير هذه الدول ومصالحها خاصة وإن موقع سوريا ووضعها في المنطقة مهم جدا لحلفاء هذه الدول في المنطقة ومصالحها وعلى رأسها بالطبع إسرائيل.

السبب الثاني يعود لتعنت الموقف الروسي الداعم للنظام السوري والرافض لأي تدخل عسكري أجنبي في سوريا هذا إلى جانب تزويده لنظام الأسد بالأسحلة والمعدات العسكرية التي تعينه على مواصلة صراعه مع العناصر الثورية المسلحة، وقد أشار الرئيس الروسي بوتين في لقائه الأخير مع ديفيد كايرون قبيل انعقاد قمة الثمانية إلى أن تسليح بلاده للنظام السوري شرعي ووفقا للاتفاقيات والمواثيق الدولية وواستنكر تسليح المعارضة التي وصفها بآكلي أعضاء البشر؛ ولذا فمثل هذا الموقف المتابين بين الروس والدول الأوروبية والولايات المتحدة الداعمة للمعارضة السوري وتسليحها يجعل حسم خيار التدخل العسكري المباشر أمرا صعبا لما قد يقود إليه نتائج قد يصبح الصراع فيها أكبر من الحدود السورية.

إلا أن تدخل قوات حزب الله الأخير والصريح في سوريا لمساندة النظام وبوادر علو كعب قوات النظام السوري بعد هذا التدخل، قد أسهم في تسريع الدول المشار إليها سابقا لموقفها من قضية التدخل العسكري في سوريا، خاصة وأن المحور الداعم للنظام السوري قد تجاهل ما كان ينهى عنه من التدخل العسكري في سوريا وإن كان هذا التدخل ربما جاء بدون توافق من مختلف أطراف هذا المحور. ولذا يبدو أن الدول الغربية لن تنتظر لحسم الصراع عبر المؤتمرات وإن أقامتها فعراقيلها كثيرة ويكفي فقط إنقسام المعارضة الكبير.

وتتسم بوادر هذه العجلة في حسم الموقف ربما بشكل أوضح في الأخبار المتداولة عن وجود قوات أجنبية على الأراضي الأردنية، قوات إنجليزية، وفرنسية، وأمريكية التي تتواجد أيضا على المياه الإقليمية وفي إسرائيل كما تشير الأخبار، وعلى الرغم من نفي الجانب الأردني لهذه الأخبار إلا أنها قد لا تخلو من بعض الصحة خاصة وأن هذه القوات قد تستخدم في مد المعارضة السورية بالأسلحة بالإضافة إلى الدخول السري إلى الأراضي السورية ومساندة قوات المعارضة في حسم المعركة على الأرض تماما مثلما حصل في ليبيا التي قيل في تلك الفترة أن قوات حلف الناتو لن تتدخل وستكتفي بتطبيق الحضر الجوي، إلا أن الأخبار التي تم تداول عن تدخل قوات عسكرية خفية أظهرت خلاف ما كان ينشر من تصريحات رسمية.

ولذا أرجح أن لا تكتفي الدول الداعمة للمعارضة بتسليح الثوار فقط بل سيتعدى دعمها للمعارضة بالسلاح إلى القاتل إلى جانبها وإن كان خفية عندها سيتخلصون من مأزق التدخل المباشر الذي ترفضه روسيا وستعجل في الإطاحة بنظام الأسد لتفويت الفرصة على الروس في إتخاذ إي إجراء مناوئ. ولذا إذا ما حدث هذا السيناريو فلم يتبق على نظام الأسد سوى فترة قليلة قبل التخلص منه، ولكن السؤال ماذا بعد الأسد؟


الأربعاء، 22 مايو 2013

لماذا عُمان يا جون كيري؟




قام وزير الخارجية الأمريكي بزيارته الأولى لعمان والتي تعتبر محطته الأولى في جولته الشرق أوسطية التي تشمل الأردن ورام الله والقدس المحتلة، وقد حظيت زيارة كيري باهتمام إعلامي واسع بسبب الملف السوري الذي يسعى وزير الخارجية الأمريكي لمناقشته قبيل تنظيم مؤتمر دولي يضم مختلف الأطراف لوضع حل لهذه القضية.

وأهمية زيارة كيري لعمان لا تخرج عن إطار الملف الرئيس الذي يحمله وهو القضية السورية، وأما ما تناقلته وكالات الأنباء من أخبار حول صفقة سلاح مزمع عقدها مع سلطنة عمان فهي قد تكون من بين الأجندة الموضوعة للزياره ولكنها ليست السبب الرئيس وحده للزيارة، ولفهم سر هذه الزيارة وأهمية سلطنة عمان في هذا السياق، علينا أن ننظر للسياق المحيط بالمنطقة بشكل عام، ففي الوقت الذي تقتتل فيه مختلف الأطراف في سوريا، وتتبنى كثير من دول العالم مواقف (المع والضد) تصر السلطنة على مواصلة نهجها في الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتنازعة وجنوحها الدائم للسلم وإعلاء صوت الصالح العام للشعب السوري واحترام خياراته، وذلك عبر مختلف التصريحات الرسمية للمسؤولين العمانيين.

وهذا النهج الذي تتبعه سلطنة عمان نابع من سياستها المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم تقبل التدخل في شؤونها الداخلية أيضا، ولذا عرف عن السلطنة مواقفها السياسية الواضحة سواء في حالات قبولها أم رفضها وابتعدت عن الدجل السياسي و"التحربن" في المواقف كما هو الحال لدى بعض الدول، وقد أسهم هذا النهج السياسي العماني في إكساب عمان ثقة العالم فأصبحت الدول تثق في السلطنة وصدق مواقفها حتى عندما تختلف معها فلا أحاديث عن مواقف مزدوجة أو تمريرات من تحت الطاولات. وبعيدا عن الأحداث البعيدة، تدل مواقف السلطنة الحديثة على هذا النهج الواضح والصريح في السياسة العمانية، إذ لم يتردد العمانيون في التعبير عن عدم رغبتهم في الدخول في فكرة مشروع الاتحاد الخليجي التي طرحت مؤخرا وعبروا عن رأيهم تحت قبب قاعات الإجتماعات وفي الصحافة على حد سواء، ورغم الانتقادات التي وجهت لهذا الموقف إلا أن السلطنة لم تحاول المراوغة والتسويف من أجل كسب ود الصحافة والسياسين على حساب ما تؤمن به بل أصرت على رأيها النابع من قراءتها الواقعية لواقع ومستقبل الانتقال لهذه الخطوة في ظل الظروف الحالية، كما أنها حافظت على علاقاتها القوية مع إيران في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها الأخوية القوية أيضا مع الدول الخليجية التي اتخذت مواقف حادة تجاه الجمهورية الإسلامية.

وعلى الرغم من موقف الكثير من دول العالم تجاه إيران وتضييق الخناق الاقتصادي عليها والذي تقود دفته الولايات المتحدة الأمريكية وتساندها فيه الكثير من الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، إلا أن البراجماتية العمانية المبنية على تحديد مصالحها بشكل خاص وصالح المنطقة بشكل عام، احتفظت سلطنة عمان بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران ولم ترضخ للضغوط العالمية بل فرضت على العالم احترام هذا الموقف ووجهة النظر العمانية مما جعلها لاعبا رئيسا فيما يتعلق بالقضية الإيرانية ووسيطا موثوقا في التعامل معها، والعكس أيضا إذ لم تؤتر علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على علاقاتها مع إيران وثقة الجانب الإيراني في صدقها ومتانتها، فالحكومة العمانية تدرك أهمية المحافظة على سلامة المنطقة من أي حروب إضافية قد تدخل المنطقة بإسرها دون إستثناء في اضطرابات وعمليات دموية لن تنتهي سريعا ولن يتقصر تأثيرها على طرف دون آخر، فالناظر إلى خريطة المنطقة يدرك دائر الإضطراب المحيطة بها في العراق وافغانستان والصومال وحتى اليمن فهي لا تزال تصارع من أجل بناء الاستقرار الذي يواجه الكثير من التحديات الاقتصادية والسياسية.

وعلى الرغم من العلاقة القوية التي كانت تربط الحكومة العمانية بالنظام المصري السابق، إلا أنها وقفت على مسافة واحدة من جميع الأطراف أيام الثورة المصرية ورأت بأن المصريين هم الأجدر والأحق بتقرير مصيرهم وحسم مواقفهم، بل إنها قامت قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية بعد الثورة بزيارة لمصر اجتمعت خلالها مع المشير طنطاوي أثناء إدارة المجلس العسكري لشؤون البلاد واجتمعت في الوقت نفسه مع المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين، وأشار حينها الوزير العماني المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي إلى "أن ما حدث هو جزء من قدر الخير الذي أراده الله لمصر، وطالب بضرورة مواجهة التحديات التي تواجهها مصر بمزيد من الوحدة والاتحاد."

وكذا الحال مع الثورة الليبية، فقد اتخذت السلطنة موقفا محايدا مما حدث ورأت بأن الشعب الليبي جدير بحسم خياراته على الرغم من العلاقة الاقتصادية الحديثة التي بدأت في تأسيسها مع حكومة القذافي قبل الثورة، إذ لم تدفعها مقاصدها الاقتصادية في ذلك الوقت في تبني موقف داعم للنظام الليبي أو العكس، وقد افرز هذا الموقف العماني المتوازن في زيارة برئاسة يوسف المقريف رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي مؤخرا لتعميق العلاقات العمانية الليبية.

وبناء على ما تقدم فقد أكسبت جملة هذه المواقف الحديثة والتاريخية منها للسلطنة، وكون مهندسها الأول صاحب الجلالة السلطان قابوس، حفظه الله ورعاه، هو أقدم الحكام العرب، إيمان العالم بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه في مختلف قضايا المنطقة ولعبها دور الوسيط في حل القضايا الشائكة والتي لا تزال السلطنة تؤمن بإن تقدير الدول المعنية لهذا الدور الذي تقوم به هو أهم من البهرجة والضجيج الإعلامي المصاحب لها ولذا دائما مع تعمد إلى الإبتعاد عنه وتجنبه وتأويلاته التي قد تضر أحيانا بتحقيق الهدف المراد على أكمل وجه.

فإن زيارة كيري للسلطنة تأتي لبحث آراء السلطنة في إيجاد حل للقضية السورية التي تعتزم الولايات المتحدة وروسيا إقامة مؤتمر لها لإنتقال السلطة في سوريا وترغب في إشراك جميع الأطراف فيه، وبالنظر إلى النظام السوري والدول الحليفة له نجد أن روسيا وإيران والصين تأتي في الواجهة إلا أن بعض الدول مثل فرنسا عبرت عن رفضا لدخول إيران كطرف في المؤتمر. كما تتداول أخبار عن تشكيل بشار الأسد لوفد برئاسة رئيس الوزراء لتمثيل النظام السوري في المؤتمر، إلا أن أطيافا مختلفة من المعارضة السورية ترفض القبول بالنظام السوري طرفا في تقرير مصير عملية إنتقال السلطة، ولذا يبدو أن السلطنة قد تكون طرفا مقبولا من الجميع للقيام بدور وسيط في هذا المؤتمر مع النظام السوري الذي لم تتخذ السلطنة مثل الكثير موقفا معاديا له وفي الوقت نفسه احترمت رغبة السوريين في تقرير مصيرهم، ونظرا لما تتمتع به من مصداقية وثقة بين جميع الأطراف ولتفردها عن بقية الدول في المنطقة في هذا الموقف، فإنها تمتلك الإمكانيات والقدرة على لعب دور الوساطة لوضع حد للنزاع السوري وإيقاف معاناة السوريين.

وخلاصة القول بإن نهج السلطنة المتوازن تمكن من خلق هذه القوة التي تتمتع بها الآن والتي ينظر لها العالم بعين الإحترام والتقدير ويدرك أهميتها في حل نزاع مثل النزاع السوري الذي لم تتمكن القوى العالمية من الوصول لإتفاق بشأنه فلا روسيا تقبل بخسارة موطئ قدمها الأوحد في الشرق الأوسط ولا أمريكا تقبل ببقاء الأسد كما أن تركيا التي سارعت لوضع حل لصراعها مع الأكراد لن تقبل بوضع فوضوي في سوريا، ولذا فالطريق مسدودة إلا من تنازل طرف لآخر أو التوصل لحل وسط قد يرضي الجميع ويكون الشعب السوري طرفا فيه وهو ما قد يكفله دخول الدور العماني في الحوار الذي دائما ما تؤمن الحكومة العمانية بأهميته في حل القضايا.


يونس الحرّاصي
Twitter Account: @yharrasi